بابل للاستثمار

عودة المال الرخيص… فرصة إنعاش أم فخ جديد للاقتصادات الناشئة؟

مع موجة التشديد النقدي وارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، واجهت شركات كثيرة في الاقتصادات الناشئة صعوبات حادة في التمويل. فقد تحولت القروض القصيرة الأجل، التي كانت منخفضة التكلفة، إلى عبء ثقيل، ما أجبر شركات متوسطة وصغيرة على تأجيل التوسع وتقليص الإنتاج والتوظيف. ولم تكن إندونيسيا استثناءً، إذ انعكس ذلك في تباطؤ الاستثمار والنمو، خاصة مع اعتماد شريحة واسعة من العمالة على هذا النوع من الشركات.

لكن مع مطلع 2024، بدأت الصورة تتغير مع تلميحات البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بإنهاء دورة التشديد وبدء خفض تدريجي للفائدة. هذا التحول أعاد تدفق الائتمان وخفّض كلفة إعادة تمويل الديون، ما أتاح للشركات استعادة نشاطها واستئناف خطط التوسع.

كيف يدعم المال الرخيص الاقتصادات الناشئة؟

تؤدي أسعار الفائدة المنخفضة إلى تحفيز الاستثمار والإنفاق، وتزيد من جاذبية أسواق الاقتصادات الناشئة أمام رؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى. كما تسهم في توسيع الائتمان الممنوح للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري للتوظيف والنمو.

ومع تراجع العوائد في الاقتصادات المتقدمة، شهدت الأسواق الناشئة تحسنًا في التمويل الخارجي، ونجحت دول عدة في العودة إلى أسواق السندات الدولية، ما وفر لها متنفسًا ماليًا لتمويل البنية التحتية ودعم الموازنات.

لكن… ما المخاطر؟

رغم فوائده، يحمل المال الرخيص مخاطر واضحة، أبرزها تضخم فقاعات الأصول، وتسارع تراكم الديون، والاعتماد المفرط على التمويل الخارجي. كما أن أي تشديد مفاجئ في السياسة النقدية العالمية قد يؤدي إلى خروج رؤوس الأموال، وضغوط على العملات المحلية، وارتفاع التضخم.

وتُظهر التجارب تفاوت النتائج؛ فبينما استفادت دول مثل الهند من التيسير النقدي مع الحفاظ على قدر من الحذر، واجهت دول أخرى، خاصة في إفريقيا، صعوبات في الاستفادة الكاملة بسبب مخاطر الديون وضعف الأطر المؤسسية.

قد تمنح عودة المال الرخيص الاقتصادات الناشئة فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها ليست ضمانًا للنمو المستدام. فالمال الرخيص لا يصنع اقتصادًا قويًا بحد ذاته، بل يكشف مدى قدرة الدول على استغلال الفرص المؤقتة وتحويلها إلى مكاسب طويلة الأجل عبر سياسات متوازنة وإصلاحات حقيقية.

Scroll to Top