بابل للاستثمار

المعالجات فائقة الأداء: نفط العصر الرقمي؟

عبارة «البرمجيات تلتهم العالم» التي صاغها رائد الأعمال والمستثمر الأميركي في مجال التكنولوجيا مارك أندريسن قبل نحو 14 عامًا، لم تكن مجرد توصيف عابر، بل قراءة مبكرة لتحول جذري يشهده الاقتصاد العالمي. ففي مقاله الشهير بصحيفة «وول ستريت جورنال»، لخّص أندريسن مسارًا جديدًا أصبحت فيه التكنولوجيا الرقمية القوة الدافعة للنمو والهيمنة الاقتصادية.

لكن ما قصده أندريسن لم يكن البرمجيات وحدها، بل المنظومة الكاملة التي تقف خلفها، وفي مقدمتها المعالجات فائقة الأداء التي تشغّل هذه البرمجيات. فكما كان النفط المحرك الأساسي للثورة الصناعية، باتت القدرة الحاسوبية اليوم حجر الأساس للقوة الاقتصادية والتكنولوجية في العصر الرقمي.

في القرن العشرين، شكّل النفط أهم سلعة استراتيجية في العالم، إذ أعاد رسم خرائط الجغرافيا السياسية، ووجّه مسارات الاقتصاد، وحدد موازين القوة العسكرية. ومع تعمق التحول الرقمي عالميًا، برزت فئة جديدة من الموارد لا تقل أهمية، تشمل المعالجات فائقة الأداء ورقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، التي أصبحت العمود الفقري للذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وأنظمة الدفاع، وغيرها من القطاعات الحيوية.

ومع تصاعد الطلب على الحوسبة المتقدمة، وتركّز الإنتاج في عدد محدود من الشركات والمناطق، بدأت هذه المعالجات تكتسب طابعًا استراتيجيًا مشابهًا للنفط. ولم يعد هذا التشبيه مجرد استعارة لغوية، بل واقع تؤكده الأرقام والسياسات، حيث تحولت القدرة الحاسوبية إلى عامل حاسم في سباق الابتكار العالمي، ومحدد رئيسي لقدرة الدول والشركات على المنافسة والنمو وحماية أمنها القومي.

كما أن تركز سلاسل توريد المعالجات المتقدمة في مناطق جغرافية محدودة، إلى جانب تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بتصديرها وإنتاجها، منح الحوسبة المتقدمة بعدًا سياديًا شبيهًا بما كان عليه النفط خلال القرن الماضي. هذا الواقع أثار تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت هذه المعالجات ستصبح سلعة استراتيجية تتحكم في موازين القوة الاقتصادية والجيوسياسية، وما إذا كانت السيطرة على القدرة الحاسوبية ستغدو أحد مفاتيح النفوذ العالمي في العقود المقبلة.

صعود المعالجات فائقة الأداء

يشهد الطلب العالمي على المعالجات فائقة الأداء، خاصة تلك المصممة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، نموًا متسارعًا يعكس التحول العميق في بنية الاقتصاد الرقمي. ولم يعد هذا المصطلح يقتصر على المعالجات المركزية أو الحواسيب الفائقة التقليدية، بل بات يشمل رقائق الذكاء الاصطناعي ومحركات تسريع مراكز البيانات.

فقد أصبحت وحدات معالجة الرسومات والرقائق المتخصصة تشكل العمود الفقري للحوسبة المتقدمة، إذ تتولى تنفيذ أعباء العمل المعقدة والكثيفة حسابيًا، والتي لم تعد المعالجات التقليدية قادرة على التعامل معها بالكفاءة المطلوبة. وقد بلغت قيمة سوق رقائق الذكاء الاصطناعي نحو 67.9 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بارتفاعها إلى قرابة 227.5 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي يناهز 12.9%.

ويعود هذا النمو إلى تداخل عدة عوامل، أبرزها الانفجار في حجم البيانات عالميًا، والتوسع السريع في تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات، إلى جانب تنامي متطلبات الحوسبة الطرفية التي تحتاج إلى قدرات معالجة عالية ومرنة في الوقت نفسه.

وفي السياق ذاته، تزداد أهمية محركات تسريع مراكز البيانات والرقائق المتقدمة مثل وحدات معالجة الرسومات والمصفوفات المنطقية القابلة للبرمجة والشرائح المخصصة، والتي تعيد تشكيل كيفية توزيع الموارد الحاسوبية واستغلالها. وتشير التقديرات إلى أن هذا السوق قد ينمو من 29.4 مليار دولار في 2025 إلى نحو 178.4 مليار دولار بحلول 2032، ما يعكس التحول من الاعتماد على المعالجات العامة إلى بنى حوسبية متخصصة.

ولم تعد هذه المعالجات مقتصرة على المختبرات البحثية أو الجامعات، بل أصبحت ركيزة أساسية في البنية التحتية الرقمية للشركات الكبرى والدول. وتُعد الحواسيب الفائقة المخصصة للذكاء الاصطناعي، مثل نظام «كولوسوس» التابع لشركة xAI، نموذجًا واضحًا لهذا التحول، حيث تجمع مئات الآلاف من رقائق الذكاء الاصطناعي ضمن منصة واحدة، باستثمارات بمليارات الدولارات واستهلاك طاقة يعادل مدنًا صغيرة.

وعلى نطاق أوسع، تسهم المعالجات فائقة الأداء في إعادة تشكيل قطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية، عبر تسريع تطوير الأدوية وتحسين التشخيص الطبي، وقطاع المركبات ذاتية القيادة، من خلال معالجة كميات هائلة من البيانات في الزمن الحقيقي، فضلًا عن دورها المحوري في أنظمة الدفاع المتقدمة.

تركّز الإمدادات والمخاطر الاستراتيجية

على عكس النفط، الذي يتوزع إنتاجه جغرافيًا بين عدد كبير من الدول، يتركز تصنيع المعالجات فائقة الأداء بشكل كبير في عدد محدود من الشركات والمناطق. فبينما تتولى شركات مثل إنفيديا وAMD تصميم الشرائح المتقدمة، تعتمد عمليات التصنيع المتطور بدرجة كبيرة على شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (TSMC).

هذا التركّز يخلق نقاط ضعف استراتيجية واضحة، إذ إن أي اضطراب في تايوان، سواء نتيجة كوارث طبيعية أو توترات جيوسياسية، قد يؤدي إلى تعطيل واسع لسلاسل التوريد العالمية. لذلك بدأت الحكومات تتعامل مع المعالجات المتقدمة بوصفها أصولًا استراتيجية، على غرار الطاقة في الماضي.

وفي هذا الإطار، فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها ضوابط صارمة على تصدير الرقائق المتقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بهدف الحد من وصول المنافسين الاستراتيجيين، وفي مقدمتهم الصين، إلى هذه التكنولوجيا. وتشمل هذه الجهود تشريعات مثل مشروع قانون «SAFE Chips» الأميركي لعام 2025، الذي يهدف إلى تقييد تصدير المعالجات عالية الأداء.

ويرى صانعو السياسات أن التحكم في الوصول إلى هذه المعالجات أمر حاسم للأمن القومي والهيمنة التكنولوجية، في مشهد يعيد إلى الأذهان الصراعات الجيوسياسية التي أحاطت بالنفط خلال القرن الماضي. كما أصبحت صناعة الرقائق في تايوان محورًا لما يُعرف بـ«الدرع السيليكوني»، حيث يشكل الاعتماد العالمي على إنتاجها عامل ردع ضد أي صراع عسكري محتمل.

أوجه الشبه والاختلاف مع النفط

كما كان الحال مع النفط، تسعى الدول اليوم إلى تأمين وصول موثوق إلى الموارد الحاسوبية المتقدمة، إذ باتت القدرة على إنتاج الشرائح عنصرًا أساسيًا في التنافس الاقتصادي والقوة الصناعية. وتشير وثائق رسمية أميركية إلى أن المعالجات فائقة السرعة ورقائق الذكاء الاصطناعي تُعد موارد استراتيجية ذات أهمية خاصة للأمن الصناعي والوطني.

وفي الصين، تزايد التركيز على تطوير هذه الصناعة ضمن مبادرة «صنع في الصين 2025» بهدف تقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، في مسار يشبه السعي التاريخي للاستقلال في موارد الطاقة. كما تعكس الاستثمارات في التصنيع المحلي، ودعم البحث والتطوير، والتحالفات الدولية مثل «قانون الرقائق الأوروبي»، توجهًا عالميًا لتعزيز سلاسل التوريد وتقليل المخاطر.

ومع ذلك، تختلف المعالجات فائقة الأداء عن النفط في جوانب جوهرية. فالنفط سلعة متجانسة وقابلة للتداول بسهولة، في حين تختلف المعالجات من حيث البنية والأداء والتطبيقات، ولا يمكن استبدال شريحة متقدمة بأخرى دون تأثير كبير في كثير من الاستخدامات. كما أن القيمة الاستراتيجية للمعالجات لا تنبع من ندرتها فقط، بل من وتيرة الابتكار السريع وتنوعها التقني، ما يجعل من الصعب معاملتها كسلعة موحدة.

في المحصلة، أصبحت المعالجات فائقة الأداء ورقائق الحوسبة المتقدمة موارد استراتيجية أساسية في اقتصاد القرن الحادي والعشرين، تمامًا كما كان النفط في القرن العشرين. ورغم اختلاف الخصائص، فإن تسارع تطورها عزز مكانتها كأصل حاسم في موازين القوة الحديثة، بحيث لم تعد قوة الدول تقاس فقط بمواردها الطبيعية، بل بقدرتها على امتلاك بنية تحتية حوسبية متقدمة، وتأمين سلاسل توريدها، وتوظيفها في الابتكار والصناعة والأمن القومي.

Scroll to Top